الشيخ محمد رشيد رضا

186

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

عبد اللّه بن مسعود ( رضي اللّه عنه ) في الصحيحين والترمذي والنسائي قال سألت رسول اللّه ( ص ) أي العمل أفضل ؟ قال « الصلاة على وقتها » وفي رواية لوقتها قلت ثم أي ؟ قال « بر الوالدين » قلت ثم أي ؟ قال « الجهاد في سبيل اللّه » فقدم بر الوالدين على الجهاد في سبيل اللّه الذي هو أكبر الحقوق العامة على الانسان . ذلك كله بأن حق الوالدين على الولد أكبر من جميع حقوق الخلق عليه ، وعاطفة البنوة ونعرتها من أقوى غرائز الفطرة ، فمن قصر في بر والديه والاحسان بهما كان فاسد الفطرة مضياعا للحقوق كلها فلا يرجى منه خير لاحد . وقد بالغ بعض العلماء في الكلام على بر الوالدين حتى جعلوا من مقتضى الوصية بهما أن يكون الولد معهما كالعبد الذليل مع السيد القاسي الظالم ، وقد أطمعوا بذلك الآباء الجاهلين المريضي الاخلاق حتى جرءوا ذا الدين منهم على أشد مما يتجرأ عليه ضعفاء الدين من القسوة على الأولاد واهانتهم واذلالهم ، وهذا مفسدة كبيرة لتربية الأولاد في الصغر ، وإلجاء لهم إلى العقوق في الكبر ، وإلى ظلم أولادهم كما ظلمهم آباؤهم وحينئذ يكونون من أظلم الناس للناس ، وقد فصلنا القول في ظلم الوالدين للأولاد وتحكمهما في شؤونهم ولا سيما تزويجهم بمن يكرهون في تفسير آية النساء ( ص 85 ج 5 تفسير ) وكم أفسدت الأمهات بناتهن على أزواجهن . والصواب أنه يجب على الوالدين تربية الأولاد على حبهما واحترامهما احترام المحبة والكرامة لا احترام الخوف والرهبة . وسنفصل ذلك في تفسير آيات سورة الإسراء إن أحيانا اللّه تعالى ووفقنا وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ أي والثالث مما أتلوه عليكم مما وصاكم به ربكم أن لا تقتلوا أولادكم الصغار من ف واقع بكم لئلا تروهم جياعا في حجوركم . فإنه هو الذي يرزقكم وإياهم أي ويرزقهم بالتبع لكم فالجملة تعليل للنهي . وسيأتي في سورة الإسراء ( وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ ) فقدم رزق الأولاد هنالك على رزق الوالدين عكس ما هنا لأنه متعلق بألف المتوقع في المستقبل الذي يكون الأولاد فيه كبارا كاسبين وقد يصير الوالدون في حاجة إليهم لعجزهم عن الكسب بالكبر . ففرق في تعليل النهي في الآيتين بين الف الواقع والف المتوقع فقدم في كل منهما ضمان رزق الكاسب للإشارة إلى أنه تعالى جعل كسب العباد سببا للرزق خلافا لمن يزهدونهم في العمل بشبهة كفالته تعالى لرزقهم . وقد ذكرنا هذه النكتة من